مقترح الرسائل النصية
القبر الذى ضم جسد خير الأنبياء هو فى الحقيقة حجرة السيدة عائشة بنت أبى بكر التى كانت تسكنها مع النبى، صلى الله عليه وسلم.
وتقع الحجرة فى الجزء الجنوبى الشرقى من المسجد النبوى، وكان بابها يفتح على الروضة الشريفة التى وصفها عليه السلام بأنها روضة من رياض الجنة، وهى حجرة السيدة عائشة بنت الصديق التى قبضت فيها روحه فدفن بها، وكان قبره جنوب الحجرة، وكانت عائشة بعد وفاته تقيم فى الجزء الشمالى منها. 
وقد دفن الرسول ورأسه الشريف إلى الغرب ورجلاه إلى الشرق ووجهه الكريم إلى القبلة، وعندما توفى الصديق دفن خلف النبى، صلى الله عليه وسلم، بذراع، ورأسه مقابل كتفيه الشريفين.
مرت الحجرة الشريفة بمراحل فى بنائها، فقد كانت مبنية باللبن وجريد النخل على مساحة صغيرة، ثم أبدل الجريد بالجدار فى عهد عمر بن الخطاب، ثم أعاد عمر بن عبدالعزيز بناء الحجرة بأحجار سوداء.
والحجرة النبوية لم تكن ملتصقة بالمسجد النبوى، فقد كان عليه السلام يترجل منها إلى المسجد للصلاة، إلا أنها اليوم ملاصقة للمسجد، ولهذا حكاية يذكرها ابن كثير فى كتابه «البداية والنهاية» فيقول: «فى عهد خلافة الوليد بن عبدالملك بن مروان أمر عامله فى المدينة عمر بن عبدالعزيز، أن يشترى حجرات أزواج النبى من الورثة، وما يجاور المسجد النبوى لتوسعته وإعادة بنائه، وضم هذه الحجرة إليه حتى يكون المسجد ٢٠٠ ذراع مربعة.
وذكر ابن كثير، أن عمر بن عبدالعزيز عندما هم فى هدم حجر أزواج الرسول وبدأ بالحجرة الأولى، انهار جدار الحجرة النبوية من الشرق وظهرت القبور الثلاثة، فأمر عمر بإعادة بنائها، وقيل إنهم عند بنائهم لها وحفرهم للأساس، تكشفت قدم من أحد القبور مما أفزع عمر خوفًا من أن تكون قدم الرسول الكريم، إلا أن عبدالله بن عبيد الله طمأنه حينها وأخبره بأنها قدم جده عمر بن الخطاب فأمر بتغطيتها، وأتموا البناء. 
بنى عمر بن عبدالعزيز الحجرة النبوية بحجارة سوداء، يقرب لونها للون الحجارة التى بنيت بها الكعبة المشرفة، على نفس المساحة التى بنى عليها الرسول بيته، إلا أن عمر قام أيضًا ببناء جدار حولها، له خمسة أضلاع خوفا من أن تشبه الكعبة فيصلى عليها.
وفى عهد الملك نور الدين زنكى فى عام ٥٥٧هـ أقيم خندق عميق حول الحجرة النبوية الشريفة، وصبه بالرصاص كى يحول بين الجسد الشريف ومن يريد الوصول إليه، وهو موجود حتى الآن، وسبب قيام نور الدين بذلك كما ذكره ابن كثير فى كتابه «البداية والنهاية»، أنه حلم بالرسول يطلب منه نجدته من رجلين أشقرين أشار إليهما فرآهما، ونهض حينها من نومه فزعا، واستفتى بعدها أهل العلم فى المنام، فأشاروا إليه بالذهاب إلى المدينة كى يرى بنفسه ما يدور بها ففعل، وحين وصوله إليها، أراد أن يرى أهلها ليتبين الرجلين اللذين رآهما فى منامه، فأمر بجمع أهل المدينة لأخذ الصدقة ولم يجدهما بين الوجوه، وحينها سألهم إن كان هناك من لم يأخذ شيئا من الصدقة؟ فأخبروه بوجود رجلين مغربيين غنيين يكثران من الصدقة وأنهما صالحان وقد قدما إلى المدينة حجًا، حينها أمر بهما فعرفهما، وطلب من جنده تفتيش دارهما، فوجدوا بها كتبًا باللغة اللاتينية لم يفهموها، وعندما كشفوا عن حصير من على الأرض، وجدوا خندقًا عميقا موصلًا للحجرة النبوية، فتكشفت نيتهما فى سرقة جثمانه بأمر من ملوك النصارى، وحينها أمر نور الدين بقطع عنقهما، وحفر خندقًا يصل إلى منابع المياه حول الحجرة الشريفة، وصب فيه الرصاص كى يكون مانعا حصينا للجسد الشريف.
فى عام ٦٦٨هـ أقام الظاهر بيبرس مقصورة خشبية حولها ذات حواجز ولها ثلاثة أبواب، وفى عام ٦٧٨ هـ بالقرن السابع الهجرى أقام السلطان محمد بن قلاوون قبة فوق الحجرة النبوية الشريفة، وكانت مربعة فى أسفلها مثمنة فى أعلاها، مصنوعة من الخشب وقد صفحت بألواح من الرصاص، منعا لتسرب الأمطار إلى الحجرة الشريفة، وهذه القبة هى أول قبة تبنى على المسجد النبوى، والمعروفة الآن بالقبة الخضراء.
فى عام ٦٥٤هـ وقع حريق بمسجد الرسول، بسبب إهمال خادم لموقد المصابيح، كما وقع حريق آخر فى عام ٨٨٦هـ بسبب صاعقة انقضت على مئذنة المسجد الرئيسية، فأشعلت حريقًا امتد لسقف المسجد الذى التهمه، ومن ثم إلى جدرانه والمقصورة وخزانة الكتب والمصاحف التى التهمتها نيران الحريق، ولم يسلم حينها فى المسجد سوى الحجرة النبوية، فجدد السلطان قايتباى بناء القبة، وجعل للمقصورة الشريفة نوافذ من نحاس من جهة القبلة، ونوافذ من حديد فى الجهات الأخرى.
حول الحجرة النبوية مكتوب قصيدة فى مدح النبى محمد مسطرة بماء الذهب، نظمها السلطان عبدالحميد خان بن السلطان أحمد خان عام ١١٩١ هـ، وقد استخرجت من كتاب تركى قديم هو «مرآة الحرمين الشريفين وجزيرة العرب» لأيوب صبرى باشا، ومنها:
يا سيدى يا رسول الله خذ بيدي 
مالى سواك ولا ألوى على أحد
فأنت نور الهدى فى كل كائنة
وأنت سرّ الندى يا خير معتمد
وأنت حقًا غياث الخلق أجمعهم
وأنت هادى الورى لله ذى السدد
يا من يقوم مقام الحمد منفردًا
للواحد الفرد لم يولد ولم يلد
يا من تفجرت الأنهار نابعةً
من أصبعيه فروى الجيش بالمدد
إنّى إذا سامنى ضيم يروعني
أقول يا سيّد السّادات يا سندي
كن لى شفيعًا من الرحمن من زلل 
وأمنن على بما لا كان فى خلدي
وانظر بعين الرضا لى دائمًا أبدًا
واستر بفضلك تقصيرى إلى الأمد
ذكر الدبيسى فى كتابه (مرآة الحرمين) أن للحجرة النبوية الشريفة ستة أبواب منها أبواب «التوبة، فاطمة، الوفود» وأن الخيزران أم هارون الرشيد هى أول من كسا الحجرة الشريفة، ثم كساها ابن أبى الهجاء بالديباج الأبيض والحرير الأحمر وكتب عليه سورة يس، ثم كساها الخليفة الناصر بالديباج الأسود، ثم صارت الكسوة ترسل من مصر كل ست سنوات من الديباج الأسود المرقوع بالحرير الأبيض وعليها طراز منسوج بالذهب والفضة. 
يوجد فى الحجرة محل قبر رابع، ويُروى أن عائشة بنت أبى بكر عرضت على عبدالرحمن بن عوف أن يُدفن فيه، وأنها أذنت للحسن بن على أن يُدفن فيه، ومنعه بنو أمية من ذلك. 
وقيل لعمر بن عبدالعزيز: لو أتيت المدينة وأقمت بها، فإذا مت دفنتَ فى محل القبر الرابع، فقال: والله لأن يعذبنى الله عز وجل بكل عذاب إلا النار أحب إلى من أن يعلم أننى أرى نفسى أهلًا لذلك.
 

التعليقات مغلقة.