بقلم – المستشار محمد عبد الله
تابعت بكثير من الفخر الانتصار السياسى والدبلوماسى الكبير لمصر بتحركها الأخير فى مجلس الأمن تجاه استصدار قرار لوقف وادانة الممارسات الاستيطانية الإسرائيلية فى الأراضى الفلسطينية المحتلة فبالاضافة إلى اهتمام مصر الكبير بالقضية الفلسطينية بما تمثله من اصل تاريخى للصراع الحقيقى بين العرب وإسرائيل فهو عبارة ايضا عن رسالة قوية أمام ممارسات بعض الدول العربية تجاه مصر من محاولات تقزيم دورها الإقليمى وفرض اراء وسياسات معينة عليها استغلالا لمحنة عابرة تمر بها وعقابا لمصر على تمسكها بثوابت لا يمكن لها الحيد عنها من أجل الحفاظ على الأمن القومى العربى التاريخى.
 
ويقومون بتصرفات تنم عن استهانة غير منطقية بدور مصر وحجمها الطبيعى ومقوماتها السياسية والعسكرية والتاريخية .. مما كان يستدعى معه ضرورة قيام مصر بتحرك سياسى أو عسكرى يصحح الموازين فى مواجهة عملية التشويش على دورها التاريخى.
 
وتفاجئنا الدبلوماسية والسياسة المصرية الخارجية بتحرك مدروس وقوى تضرب به مصر عدة عصافير بحجر واحد وهو تقديم مصر لقرار يدين عملية الاستيطان الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية المحتلة.
 
والبديهى والمنطقى أن مجرد تقديم مصر مشروع القرار من البداية يعد المحرك الأساسى لما تلاه من خطوات انتهت بإصدار قرار مجلس الأمن حتى وأن (استكملت) إجراءاته دول أخرى وبنفس الصياغة التى قدمته بها مصر وقد أكد ذلك وزير الخارجية اأمريكى جون كيرى عندما أعلن أن مصر هى التى قادت عملية استصدار القرار، ومن ينكر هذا الدور المصرى العظيم أما حاقدأو جاهل.
 
وقد حازت مصر العديد من المكاسب السياسية والدبلوماسية جراء تحريكها لمشروع القرار تتمثل فى الآتى:
تحريك القرار فى المؤسسة الدولية يعد خطوة هامة فى تاكيد الثقل المصرى على المستويين الإقليمى والدولى فقد أعلنت للجميع انها مازالت هى المحرك الرئيسى والفاعل فى القضية العربية الأولى والخطيرة والأكبر وهى الصراع العربى الإسرائيلى المباشر وبالتالى مصر هى حجر الأساس فى حل أى أزمة أو قضية عربية وإعلان واضح لقوة مصر وقيادتها .. وهذا الأمر كانت مصر فى أشد الحاجة لاثباته عمليا فى مواجهة ما يقوم به بعض الأشقاء العرب خلال الفترة الماضية.
 
أيضا بالنسبة لإسرائيل ووجودها خلف كثير مما يجرى من ضغوط على مصر فى ملفات عديدة أهمها ملف مياه النيل وسد النهضة ويعد ردا مجمعا لكل ما عانته مصر من إسرائيل خلال السنوات الماضية.
 
وعلى الصعيد العربى والإقليمى والدولى فالقرار أكد على عدم مشروعية الاستيطان الإسرائيلى للأراضى الفلسطينية ونزع الشرعية عن بناء أى مستوطنات حاليا أو مستقبلا بل وجرمها بشكل قاطع.
 
القرار أكد على ما حاولت إسرائيل محوه من العقل الجمعى الدولى خلال الفترة الماضية وهو حل الدولتين وأعاد الى الواقع فكرة الدولة الفلسطينية المستقلة مرة أخرى على أرضية تفاوضية قوية للجانب الفلسطينى وبما يعنى أن المفاوضات هى الطريق الوحيد لحل الأزمة وليس سياسة فرض الأمر الواقع التى تنتهجها إسرائيل.
 
القرار أعاد إرساء مبدأ حدود ما قبل 1967 وما يترتب عليه بالتبعية من حق عودة اللاجئين الفلسطينيين إلى أرضهم التى اغتصبت خلال كل السنوات الماضية وتم بناء العديد من المستوطنات عليها .. وهذه أسوء كارثة سياسية وقانونية تواجهها إسرائيل لما لها من تبعات ديموغرافية هامة على مجريات الأحداث فى الأرض المحتلة حاولت إسرائيل مرارًا تجنبها بوضع عوائق عديدة خلال المفاوضات بشأن عودة اللاجئين وقيامها بتغيير الواقع على الأرض لصالحها باغتصاب أكبر مساحة ممكنة من الأراضى الفلسطينية لياتى القرار ناسفا لكل تلك المحاولات من الناحية النظرية والقانونية على الأقل.
 
القرار اثبت حق الفلسطينيين فى القدس الشرقية متضمنة حائط البراق الذى يسميه الإسرائيليين حائط المبكى وهدم فكرة أرض إسرائيل التاريخية كما يعد ضربة جديدة لفكرة الهوية اليهودية للدولة صاحبة القدس الموحدة العاصمة الأبدية لإسرائيل.
 
القرار مثّل أزمة سياسية كبيرة لنتانياهو على مستوى الداخل الإسرائيلى وخاصة وانه جاء مباشرة بعد القضية الخاصة بتدخل نتنياهو لتمرير شراء الجيش الإسرائيلى الغواصات الإلمانية الأربعة من شركة تيسنكروب .. والتى تمتلك إيران حصة بها !!!! وفى ظل مطالبة نواب فى الكنيست الإسرائيلى بفتح تحقيق جنائى ضد نتنياهو بشأن قضية الغواصات خاصة وأن الجيش الإسرائيلى لا يحتاج لها عملياتيا فى الوقت الحالى وقد تمت تلك الصفقة عن طريق محاميه الذى يعمل فى نفس الوقت كمحامى لممثل شركة الغواصات فى إسرائيل .. والتى جاءت حينها الحرائق التى نشبت فى أماكن متفرقة من إسرائيل لتغطى علي هذه الفضيحة بشكل غريب !!!!
إضافة إلى تسريب ملفات التحقيق فى اتهام زوجة نتينياهو بإهدار المال العام وأخيرًا اتهامه مرة أخرى والتحقيق معه حسبما ذكرت الإذاعة العامة الإسرائيلية أن الشرطة بدأت تحقق خلال الأسابيع الماضية في قضية جديدة تحوم في إطارها شبهات جنائية ضد نتنياهو مما زاد معه الأمر سوءًا بعد قرار مجلس الأمن.
 
القرار يفتح الباب للتدخلات الإقليمية والدولية لحل القضية وبخاصة المؤتمر الفرنسى المزمع عقده الفترة القادمة والذى أعلنت إسرائيل سابقًا عدم حضوره إلا انها لا تمتلك الآن أريحية رفض مثل تلك المساعى الدولية لحل الأزمة.
 
القرار أعاد أحياء كافة القرارات السابقة من الأمم المتحدة والنتائج النهائية للمفاوضات العربية الإسرائيلية ومؤتمر مدريد واوسلو وأعمال اللجنة الرباعية والجهود المصرية والروسية والأمريكية كمرجعية وأرضيه ثابته لحل النزاع وهو ما يهدم محاولات إسرائيل تفتيت نتائج أعمال تلك المرجعيات .. وأضاع جهدها الحثيث فى ذلك على مدار أعوام طويلة.
 
التحرك المصرى لاستصدار القرار رسخ حضور الدور المصرى فى الداخل الفلسطينى واثبت للجميع وعلى راسهم الرئيس أبومازن وحركتى فتح وحماس وسائر فصائل المقاومة أن مصر هى الوحيدة التى تستطيع القاء الحجر فى الماء الراكد بشأن القضية الفلسطينية أو غيرها .. وانه رغم ما عانته مصر من أعمال غير مسئولة من بعض الفصائل الفلسطينية والذى لم ولن يكون أبدًا فى صالح الفلسطينيين إلا أن مصر ستظل هى المنقذ والأمل لهم فى مواجهة الاحتلال الإسرائيلى الغاشم.
القرار رسالة إلى إيران بان عليها أن تدرك مجددًا أن مصر هى مركز التوازن الإقليمى فى المنطقة فى وقت قد تظن فيه إيران أن نفوذها فى المتنامى فى بعض الدول العربية قد يحد من الدور المصرى وأن تدرك أيضًا أن هذا النفوذ لا يمكن أن يكون بديلا عن الدور المصرى أطلاقًا.
 
القرار رسخ كذلك لحالة من العدائية التى ستمتد أثارها بعيدًا بين إسرائيل والمجتمع الدولى وجعلها فى موضع المتهم وزاد من ذلك ردود الفعل المصدومة والحادة على مستوى الحكومة الإسرائيلية التى وصفت القرار “بالسخيف” والسياسيين والنخب المعنية التى باتت تلقى بالشتائم والإساءات البالغة نحو المؤسسة الدولية بكاملها وأمينها العام ومجلس الأمن والدول الاعضاء به والإدارة الإمريكية.
 
المثير فى الأمر هو كيف تخلت إدارة أوباما عن إسرائيل التى توسلت لها لاستخدام الفيتو ضد القرار لدرجة وصف إسرائيل هذا التصرف بالخيانة .. واؤكد على كلمة إدارة أوباما وليس أمريكا .. وفى تقديرى أن المتابع للعلاقة المتوترة والسيئة بين أوباما ونتنياهو والخلاف الحاد بينهم فى العديد من الملفات ويعلم الدور اليهودى فى دعم وصول ترامب للرئاسة الأمريكية يدرك مغزى هذا التحرك الانتقامى من إدارة أوباما تجاه نتانياهو وحكومته.
 
وفى ذات السياق ترى الإدارة الأمريكية الجديدة أن سحب مصر للقرار يعد إثباتا لحسن النوايا فى التعاون معها فلم تضع هذه الإدارة فى حرج أمام إسرائيل وتضطرها للاختيار المر مبكرًا بين مصالحها القادمة مع مصر ومصالحها مع إسرائيل.
اختيار التوقيت والتكتيك المناسب وساعة الحسم من القاهرة للتحرك يدرس سياسيا ودبلوماسيا فقد وضعت مصر بصمتها التاريخية فى اللحظة التى تعامدت فيها كل الأسباب التى تحقق كافة أهدافها السياسية الإقليمية والدولية.
 
المكاسب العديدة من هذه المنظومة السياسية والدبلوماسية الرائعة التى قادتها مصر بالإصالة وبالوكالة عنها لا تعد ولا تحصى .. بل دعونى ابشركم أنها سوف تتسبب فى هزة سياسية كبيرة سوف يصل صداها من بحر قزوين وحتى المحيط الأطلسي وسيترتب عليها إعادة الكثير من الدول العربية والقوى الإقليمية والدولية ترتيب أوراقها والنظر فى جدوى تحالفاتها مع بعض الدول العربية غير ذات التاثير القوى والحقيقى .. وإعادة توجه الانظار نحو المركز الحقيقى للثقل السياسى العربى والإقليمى فى القاهرة.